هل تعلم ان لكل شخصية شيفرة ولكل شخصية عوامل وظروف معقدة في تكوينها حتى لو افترضنا ان المقارنة بين توائم في نفس الرحم ولكن قد يكونا مختلفين تماماً في كل شيئ في شخصيتهم وتصرفاتهم؟ فكيف إذاً ستكون المقارنة بين أشخاص لا صلة بينهم أو ان تكون المقارنة لو إفترضنا بين أعراق مختلفة كيف إذاً ستصبح النتيجة ؟ فهناك مؤثرات كثيرة تتحكم في تكوين شخصيتنا ، ومؤثرات وعوامل عديدة منها عوامل بيولوجية وفسيولوجية وإجتماعية وبيئية تتداخل كلها في تكوين شخصيتنا أيضاً ، يجب أن نتعرف عليها ونتمعن فيها حتى ندخل في مفهوم الشخصية عموماً ومن ثم سنتمكن من ان نفك طلاسم تلك الشخصية الإنسانية الغريبة بالرغم من كل تلك التعقيدات التي رافقت مسيرة تكوينها وظروف نشأتها الغير بسيطة!. ولا ننسى في الحديث عن تكوين الشخصية أن نتحدث ونتطرق عن شذوذ بعض تلك الشخصيات عن مسارها الطبيعي والسوي الى مسارات لا تنتمي الى نوعها التي خلقها الله وأختارها في الحياة ، فسنتعرف كيف للبيئة من تأثير على الشخصية عموماً.

أول بداية وإنطلاقة للإنسان وللشخصية التي نتحدث عنها هي بصراحة من إنطلاقة ذلك الحيوان المنوي الصغير وما يعترض مساره من تحديات كبيرة هي تماماً كتحديات الحياة التي نعيشها ،فهذه حقيقة علمية ثابتة، فقد تعترض هذا الحيوان المنوي بعض العقبات ربما ستؤثر في شخصية الإنسان مستقبلاً مثل تلك المؤثرات كتأثير الموروثات الجينية أو زواج الأقارب وما لها من تعقيدات على الشيفرة الجينية!. وقد وصف الله تعالى هذا الأمر وصفاً دقيق حينما قال :

” إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ” (‏ الإنسان‏)‏.

وإذا أفترضنا جزافاً نجاح اللقاح بين الحيوان المنوي والبويضة الإنثوية فلا زال التأثير قائم في ظروف حضانتها في رحم الأم من تغذية وظروف عاطفية وعصبية للأم وغيرها ممكن جميعها أو واحده منها أن تؤثر على تكوين الجنين وإذا مرت هذة الظروف كذلك بسلام فسننتقل الى ان نصل الى موعد الولادة وما يعترضه أيضاً من ظروف عسر الولادة ومن نقص في الأكسجين أو ولادة مبكرة كل تلك الأمثلة من العوامل ممكن أن تؤثر على هذا الجنين الجديد من الناحية البيولوجية أو الجينية والتي ستؤثر في شخصية هذا الجنين الحديث ، فلذلك فكل تلك الظروف المبكرة لها تأثير جذري على شخصية هذا الوليد مدى حياتة فلنا أن نتصور مثلاً لو كانت الظروف كما تصورنا سلبية وخرج الجنين مع متلازمة داون ، ومتلازمة تيرنر، او متلازمة كلاينفيلتر، أو القزامة ، أو الثلاسيميا وغيرها من الموروثات الجينية أو ظروف وملابسات اللقاح والولادة !، حينها سيتبين لنا كيف بإمكان هذه العوامل أن تؤثر على النواحي الجسمية والعقلية للفرد ذكراً كان أو أنثى في شخصية هذا الأنسان .

وبهذة الظروف والأسباب ماذا سيتبادر للقارئ الأن من شخصية ذالك الوليد مستقبلاً مع كل ما ذكرنا مسبقاً، وقبل ان نتطرق لحياة هذا الشخص في صفاتة وتصرفاته مستقبلاً ، فظروف النشأة الأولى مهم جداً فهمه لكي نتعرف على مفهوم الشخصية مستقبلاً!.

أما العلاقة بين البيولوجي الموروث و الأجتماعي البيئي في تكوين الشخصية ضروري ذكره حتى نفهم العلاقة بينهم وهذا أحدى الحلقات المهمة فكها نحو فهم الشخصية الأنسانية، فالعلاقة بين عاملي الوراثة والبيئة لا تظهر للوجود بمجرد تلاقي جينات معينة بظروف بيئية خاصة فحسب، بل إن المسألة تستمر عبر الزمن في علاقة دائمة من خذ وهات. فقد تتمكن مجموعة معينة من الجينات من أن تتكيف مع البيئة لتصبح أكثر ملائمة لبقائها، فنحن قد نسكن المناطق الإستوائية ونتكيف مع درجات الحرارة العالية. وفي الوقت نفسه فإن البيئة قد تكون عامل مساعد في تغيير وراثي قد تؤثر وتساعد على التخلص من الجينات الضارة، والأقل فائدة، والأسباب الرئيسية للسرطان مثلاً تظهر بسبب تغير البيئة تغيراً سريعاً جداً وتراثنا الجيني الوراثي لم يتعلم بعد كيف يتعامل مع هذه التغيرات، فتكون النتيجة حدوث المرض، وهذا التفاعل يمكن توضيحه كمثال في عملية الإبصار، فالعينان موجودتان لدى الوليد، ولكنهما لم يختبرا قبل الولادة لإنعزالهما عن الضوء، ولكن بعد خروج الوليد إلى البيئة الخارجية، وسقوط الضوء عليهما، ونضج العصب البصري، فإنهما تبدءان في الاستجابة،أي تنشط في هذه الحالة ما كان موجود كقوة كامنة. ويعني ذلك تفاعلاً تم بين الوراثة والبيئة، تفاعلاً يشير إلى وجود جهاز استقبال لدى الفرد، كما يشير إلى وجود جهاز استجابة للمثيرات التي يتعرض لها (وهي إمكانات وراثية)، ولكن لن تنشط هذه الإمكانات إلا إذا تعرض الفرد لمثير بيئي يستقبله، ثم يستجيب له.

والخلاصة أن العوامل البيئية على اختلاف أنواعها طبيعية أو اجتماعية أو نفسية لا تخرج عن كونها مثيرات متعددة تؤثر على العوامل الوراثية محدثة مجموعة من الاستجابات التي تمثل الصفات العامة للفرد، بمعنى أن العوامل البيئية تمد الفرد بالمثيرات التي تجعل إمكانياته الوراثية تستجيب لهذه المثيرات بطريقة ثابتة نوعاً ما.

وفي ضوء المعرفة الحديثة يكون من المتعذر طرح الاختيار إما الوراثة أو البيئة، وإنما العملية هي تكامل بين العوامل الوراثية والعوامل البيئية، لأن الفرد بصفاته الوراثية لا يوجد في فراغ، وإنما في محيط يتفاعل معه فيؤثر فيه ويتأثر به، وذلك في عملية معقدة. فلا الفرد ولا البيئة ينفصلان عن بعضهما البعض، فكلاهما مفتوح على الآخر، وكما أنه لا يوجد كائن حي دون بيئته، فإنه لا توجد بيئة دون كائن حي.

ولا ينبغي لنا الآن أن نحاول فهم الإنسان من بعد واحد وراثي أم بيئي وإنما من منظور التفاعل القائم بين البعدين، ويعني هذا أن نفهم العلاقة بين ما هو بيولوجي (وراثي) وما هو اجتماعي (بيئي) ،فالكائن الحي من الناحية البيولوجية هو مجموع صفاته الظاهرية والفسيولوجية والسلوكية، وهذا المجموع له تركيب وراثي (جيني).
وحقيقة الأمر أن ما يورث هو التركيب الجيني، وليس الصفات الظاهرة، والتركيب الجيني ثابت، بينما المظهر يتطور ويتغير باستمرار نتيجة التواجد في بيئة معينة، ومعنى ذلك أن الكائن الحي نتاج متفرد للتفاعل ما بين الجينات والبيئة، وهذا الفهم لهذه العلاقة التفاعلية هو أول الطريق لفهم الإنسان، إن المسألة بإختصار شديد ما هي إلا ديالكتيك وتفاعل بين الجين من ناحية والبيئة من ناحية أخرى . [موقع أكاديمية علم النفس]

بعض الوظائف الحساسة في الولايات المتحدة الامريكية يطلب من المتقدم للوظيفة تقارير طبية وخاصة تقرير الولادة لما له من أهمية في تحديد بعض الأمراض الوراثية الكامنة مثل الصرع والنمو العقلي وغيره! وكما يطلب منه تقرير مفصل عن علاقته بالأسرة ومن المهم ان يكون في أسرة سوية تتكون من الوالدين ويحظى برعاية جيدة وأيضاً يطلب سجل الوالدين الجنائي لما له من أهمية لمعرفة نوع التربية ، فمثلاً إذا إتضح ان أحدى الوالدين من مدمني المخدرات أو المسكرات أو ارتكب جرائم كالسرقة والإغتصاب وغيرها فتلك الجرائم تعطي مؤشر لنوعية التربية والعلاقة الأسرية وإستقرارها ، ومن ثم يطلب من المتقدم تقارير تحصيلة العلمي فبهذه الطلبات جميعها أمكن فك الشفرة الشخصية كاملة مثل 😦 التقارير الطبية منذالولادة ،العلاقة العائلية ، والتحصيل العلمي).

فالملخص لما سبق ان الشخصية لها شيفرة تختلف عن الأخر ومن محددات ذلك : الولادة والأسرة والتعليم ، فلو أفترضنا أن ثلاثة أشقاء ولدوا ولادة سليمة في بلد كالصومال في أسرة فقيرة وبيئة معدومة وأبقينا على واحد منهم بعد الولادة وأرسلنا الباقين للتبني في أسر في كل من البلدان التالية : الامارات ، أمريكا.

فالتأثير الجيني الوراثي سيكون كامن في الاطفال بالتبني بطبيعة الحال ولكن سيتكيف الموروث الجيني حسب البيئة ، حيث سيحصل الأول الذي في الصومال على تعليم ورعاية أسرية محدودة وسيكون العامل الوراثي له دور لأنه ما زال في نفس البيئة التي أنجبته ، إما الأخرين فسيتغير الموروث الجيني أو سيتكيف مع البيئة الجديدة، علماً أن مستوى الذكاء الموروث إذا أفترضنا ان نسبة الذكاء عالية لن تلعب دور كبير لأن الأول لن يجد البيئة التي تجعله يستخدم هذا الذكاء ، فالبيئة بسيطة ولا تحتاج الى الذكاء العالي، أما الأخرين فنسبة الذكاء ستعطيهم تقدم وتميز على أقرانهم في بيئة تدفع بالأذكياء الى المقدمة لأن البيئة متقدمة.

كذلك ستتباين الصفات بينهم كالأمانة والصدق وغيرها بسبب تأثير البيئة من تربية أسرية ومجتمع ونظام وتعليم فسيصبح كل واحد يحمل صفات مختلفة تماماً عن الأخر!.

سنفهم من كل ما تقدم إن البيئة لها تأثير كبير بالرغم من ثأثير الموروث الجيني، فنستنتج من ذلك انه اذا ما وفرنا بيئة مناسبة للشخص في أسرة سوية ورعاية وتربية مناسبة وتعليم جيد سيتغلب الإنسان على الموروث الجيني هذا إذا مر الشخص بسلام من لحظة إنطلاقتة كحيوان منوي الى ان يصبح شاب يافع متعلم فحينها لا فرق بين شخص وأخر وعرق وأخر وكما قال الله تعالى:
( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير).

والسؤال الكبير الأن ،هل شخصياتنا تشكل ظروفنا ام ظروفنا تشكل شخصياتنا؟

د.علي العامري

Advertisements