الكل يتمنى النجاح ويدعي الله عز وجل ليلً ونهارً ان يحالفه الحظ والتوفيق لكي ينجح في كل مناحي الحياه ، ولكن يجب ان نعلم ان للتوفيق عوامل ، فما هي عوامل التوفيق ، ففي البداية يجب ان تتعرف على ذاتك وعلى نقاط القوة والضعف في شخصيتك ، ومن ثم تتصالح مع نفسك لكي تنطلق في هذه الحياه وانت فاهم مميزاتك حتى تستعملها بشكل جيد وذلك لكي تتفوق على نفسك وعلى اقرانك ومع المجتمع المحيط بك وانت واثق النفس ثابت الخطوه وعارف ماذا تريد.

ومن ثم يجب ان تضع أهداف وأولويات في حياتك حتى تحس بإنك تتقدم ، تضع أهداف قصيرة المدى ومتوسطة وبعيدة ومن بعد ذلك تعطي أولويات لاهدافك، وأيضاً تضع برنامج تنفيذي لإنجاز هذه الأهداف حتى لو كانت الخطة التنفيذية بطيئة ولكن المهم أنك تتقدم ، فمثلها مثل قطرات الماء فهي بسيطة وبطيئة ولكن في النهاية تفتت الصخر ،يجب ان نضع هذه النظرية امام أعيننا دائماً ونتقدم ، والكثير من الناجحين حول العالم تقدموا ببطئ واستمروا ولم ييأسوا وقد حققوا في النهاية حلمهم بالنجاح ، ويقول المثل العربي : ” من سار على الطريق وصل ” وأيضاً : ” من زرع حصد”، فتحديد الأهداف مهم جداً لكل شخص لكي ينجح فبدون تحديد الأهداف تكون كالتائهه في هذه الحياه مثلها مثل سائق السيارة، فمقارنة حال الإنسان الذي يملك هدف بالإنسان الذي لا يملك هدف مثل السائق الذي يسير بسيارته ولا يعرف الطريق ولا يعرف اين يذهب حتما سيتوقف عند كل تقاطع لمعرفة اين يتجه وحتما سيضيع في كل مسافه يقطعها وحتما لن يصل الى أي مكان لانه لا يعرف اين يذهب عكس الذي يسوق سيارته وهدفه يصل الى المكان الفلاني وهو يعرف الطريق ومختصر الطريق وكذلك استعد بتثبيت جهاز ملاحة إلكتروني لكي يعينه إذا صادفه تقاطع غامض أو مفاجئ فهذا حتما سيصل الى هدفه في الوقت المحدد أو اسرع من ذلك، فهذا مثال بالذي حدد هدفه ويعرف ماذا يريد ومتقدم اليه بالمقارنة بالذي لم يضع هدف لحياته ولا يعرف اين هو ذاهب في مسيرة حياته، وعلى ضوء ما تقدم نقول أن الحياه يجب ان نعيشها لهدف سامي، ففي خضم الأيام المتتالية ، والمشاغل المتعاقبة ، والمتع الوافرة ، ننسى من نكون ونصبح جسد مادي متواتر لا يرتاح ولا يتوقف للتأمل والتقدم بأهداف محددة.

هل الحياة المادية انستنا من نكون؟ هل نسينا أننا أعظم وأرقى مخلوقات الله فقد نفخ الله عز وجل فينا من روحه ذلك الشيئ الذي يجعلنا متعلقين بالله عز وجل ومتعلقين بأرضنا ووطننا الأم وهي الجنه لذلك يجب ان ننجز ونتقدم ولا يمكن التقدم بدون أهداف واضحة.

نركض في الدنيا بلا حس وبلا شعور وكأننا أنعام نأكل ونشرب ونتكاثر ونتفاخر فقط، فهل هذا دورنا فقط في الحياة ؟

وقد وصف الله تعالى هذا في سورة الأعراف في قول الله تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث {الأعراف:176}،

فحياتنا في الدنيا لها هدف ، فاهداف الإنسان متعددة فكما وضعنا لأنفسنا أهداف دنيوية قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى فكذلك يجب ان نضع أهداف لأخرتنا ، فماذا وضعنا من أهداف للفوز بالدنيا والأخرة؟

في الغالب وخلال مسيرة التقدم تواجهنا معوقات كثيرة الذكي الذي يتجاوز هذه المعوقات وعينه على تنفيذ أهدافه، ولكن يخسر من يتوقف عن التقدم لتنفيذ أهدافه حتى حلحلت تلك المعوقات التي تواجهه وذلك لأن المعوقات لن تتوقف بل تنفيذ أهدافه سيتوقف وهنا أنصح بعدم التوقف عن التقدم لتنفيذ خطط الحياه من الأهداف المرسومة ، ويجب ان نتوقع المعوقات خلال مسيرة حياتنا بإستمرار ، فالحياه ليست مثالية كما نتصور ، والمعوقات هي ملح الحياه، فهي تحسسنا بالتحدي وفن التجاوز ولذة الانتصار حتى نحقق الهدف تلو الهدف، لذا يجب ان نكون كالمتسلق الجيد يركز على هدفه ولا ينظر إلى الأسفل ، حيث المخاطر التي تشتت الذهن .

والمعوقات في الحياه تقابلها الفرص التي تصادفنا في الحياه ، فالذكي الذي يغتنم الفرصة في وقتها ويستثمرها ، والخاسر من تفوته الفرصة بسبب التردد والخوف ، فكما يقول المثل الشعبي: ” بعد فوات الفوت ما ينفع الصوت”. فكم واحد منا قال انا كنت مع فلان في تلقي الفرصة الفلانية ولكن انا لم أكن املك الرؤية! فأنظر ماذا اصبح زميلي وماذا انا علية! فهذا لا ينفع بل التقدم وانتظار الفرصة القادمة ، فالفرص لا تتوقف ما دامت الحياه مستمره المهم ان نقدر الموقف حق قدره وفي وقته ومع كل فرصة مواتية.

والأهم من هذا وذاك ان نكون في المكان المناسب حتى يأتي الوقت المناسب للفرصة ، فمثلاً لن تأتينا فرصة عقد صفقة تجارية ونحن على السرير ، ولكن لو اختلطنا بتجار السوق في مجالسهم وفي أعمالهم وفي المناسبات الاجتماعية المختلفة حتماً ستأتي الفرصة ، وكذلك من يذهب يومياً الى أسواق المال (البورصات) ويتحسس نبظ السوق حتماً ستمر عليه فرصه ربح عكس الذي يسمع عنها ويقول لو كنت اعلم لأشتريت السهم الفلاني وربحت ! كيف ستغتنم الفرصة وانت لست في المكان المناسب ولست مع الأشخاص المناسبين؟ وهذا المثل ينطبق على أي قطاع من قطاعات العمل الخاص أو الحكومي ، فيجب ان نعود انفسنا ان نكون في المكان المناسب ومع الأشخاص المناسبين، كالسياسي الذي يريد ان يرشح نفسه في الانتخابات، فهو ان ظن ان الناس ستنتخبه لمجرد اسمه أو سمعته فهو مخطئ فهذا الافتراض لن ينجح أبداً ، ويجب عليه ان يكون مع الأشخاص المناسبين وفي المناسبات التي تظهره وتبرزه حتى يراه العامه، وهناك الكثير من الأمثلة.

اود ان أوضح أمر مهم يربط جميع هذه النقاط التي ذكرناها من تحقيق أهداف وأولويات وعقبات وتجاوزها وفرص واغتناصها إلا وهو التوفيق والحظ فمدام التوفيق بجانبنا سنحقق الأهداف ونتجاوز العقبات وسنصيد جميع الفرص أمامنا ، ولكن هل سئلنا أنفسنا ما هو التوفيق؟ وهل هو أمر يخطط له؟ أو هل هو علم ندرسة؟ او كيف يمكن ان يحالفنا التوفيق؟ هو ليس كل ما ذكرنا بل نحن نعجز حتى عن التعريف بماهية التوفيق! نعم فنحن نقول الفريق الفلاني انتصر لانه حالفه التوفيق أو نقول خسر وخانه التوفيق بدون علم أو دراية وأنما النتيجة خولتنا ان نصدر هذة العبارة! ولكن لو أننا نملك الإيمان الخالص وهنا أريد ان اربط جميع ما سبق بإن التوفيق يحالفنا ما دمنا مع الله ومدامت أرواحنا تتوسل الى الله الواحد الأحد بإن يوفقنا، فهو وحده العالم بالأمور وهو الذي يرى ويسمع ويتحكم فلا نتواكل في تحقيق أهدافنا بإن نصلي ونصوم وندعو الله ان يحقق أهدافنا ونحن مستلقين على السرير ، فأحلامك لن تتحقق بالتواكل ولكن بأخذ الأسباب التي تجعل الله يدفع بإتكالك عليه بإتجاه التوفيق في تحقيق هدفك وطموحك وحلمك هنا ستعرف ان الله الموفق وعليك العمل.

احب ان أروي هذه القصة عن وضع أهداف محددة لكي يتحقق النجاح ، مهما كانت الطموح صعبه فليس للطموح سقف إذا وجد التخطيط السليم كما أسلفنا ، والقصة التي حدثت تفاصيلها في الأندلس في الدولة الأموية ، وهي تحكي ثلاثة من الشباب كانوا يعملون حمّارين، وفي ليلة من الليالي وبعد يوم من العمل الشاق ، جلس الثلاثة يتسامرون فقال أحدهم واسمه ” محمد ” افترضا أني خليفة ماذا تتمنيا ؟ فقالا يا “محمد” إن هذا غير ممكن!
فقال : افترضا جدلاً أني خليفة ..
فقال أحدهم هذا محال وقال الآخر يا محمد أنت تصلح حمّار أما الخليفة فيختلف عنك كثيراً ..!
قال محمد قلت لكما افترضا جدلاً أني خليفة , وهام محمد في أحلام اليقظة وتخيل نفسه على عرش الخلافة وقال لأحدهما : ماذا تتمنى أيها الرجل ؟ فقال : أريد حدائق غنّاء
, وماذا بعد قال الرجل : إسطبلاً من الخيل , وماذا بعد , قال الرجل : أريد مائة جارية ..
وماذا بعد أيها الرجل , قال مائة ألف دينار ذهب . ثم ماذا بعد , يكفي ذلك يا أميرالمؤمنين
كل ذلك و محمد ابن أبي عامر يسبح في خياله الطموح ويرى نفسه على عرش الخلافة
ثم التفت إلى صاحبه الآخر وقال : ماذا تريد أيها الرجل فقال : يا محمد إنما أنت حمّار , والحمار لا يصلح أن يكون خليفة
فقال محمد : يا أخي افترض جدلاً أنني الخليفة ماذا تتمنى ؟ فقال الرجل أن تقع السماء على الأرض أيسر من وصولك إلى الخلافة , فقال محمد دعني من هذا كله ماذا تتمنى أيها الرجل , فقال الرجل :
إسمع يا محمد إذا أصبحت خليفة فاجعلني على حمار ووجه وجهي إلى الوراء وأمر منادي يمشي معي في أزقة المدينة وينادي أيها الناس ! أيها الناس هذا دجال محتال من يمشي معه أو يحدثه أودعته السجن!
قالها مستهزءاً به لأنه في نظره مستحيل أن يصبح خليفة،وانتهى الحوار ونام الجميع ومع بزوغ الفجر استيقظ محمد وصلى صلاة الفجر وجلس يفكر صحيح الذي يعمل حمارا لن يصل إلى الخلافة , الشخص الذي يستمر دون تطوير لمهاراته بلا تحديد لأهدافه وطموحاته لن يتقدم بل يتقادم . فكر محمد كثيرا ما هي الخطوة الأولى للوصول إلى الهدف المنشود ،توصل محمد إلى قناعة رائعة جداً وهي تحديد الخطوة الأولى حيث قرر أنه يجب بيع الحمار ،وفعلاً باع الحمار.

وانطلق ابن أبي عامر بكل إصرار وجد، يبحث عن الطريق الموصل إلى الهدف ،وقرر أن يعمل في الشرطة بكل جد ونشاط ، أعجب به الرؤساء والزملاء والناس ،وترقى في عمله حتى أصبح رئيساً لقسم الشرطة في الدولة الأموية في الأندلس .
ثم يموت الخليفة الأموي ويتولى الخلافة بعده ابنه هشام المؤيد بالله وعمره في ذلك الوقت عشر سنوات ، وهل يمكن لهذا الطفل الصغير من إدارة شئون الدولة ؟ وأجمعوا على أن يجعلوا عليه وصياً ولكن خافوا أن يجعلوا عليه وصياً من بني أمية فيأخذ الملك منه ،فقرروا أن يكون مجموعة من الأوصياء من غير بني أمية , وتم الاختيار على محمد ابن أبي عامر وابن أبي غالب والمصحفي ، وكان محمد ابن أبي عامر مقرب إلى صبح أم الخليفة واستطاع أن يمتلك ثقتها ووشى بالمصحفي عندها وأزيل المصحفي من الوصاية وزوج محمد ابنه بابنة ابن أبي غالب ثم أصبح بعد ذلك هو الوصي الوحيد ثم اتخذ مجموعة من القرارات، فقرر أن الخليفة لا يخرج إلا بإذنه , وقرر انتقال شئون الحكم إلى قصره , وجيش الجيوش وفتح الأمصار واتسعت دولة بني أمية في عهده وحقق من الانتصارات ما لم يحققه خلفاء بني أمية في الأندلس ،حتى اعتبر بعض المؤرخين أن تلك الفترة فترة انقطاع في الدولة الأموية ، وسميت بالدولة العامرية، في نهاية القصة احضر محمد صديقيه الحمارين وصنع بهم ما تمنياه عنه إذا هو اصبح خليفة!

د.علي العامري

Advertisements