من الأهمية بمكان ذكر تاريخ مخططي حرب الجيل الرابع المتقدمة لفهم الحاضر والمستقبل لهذة الحرب الخطيرة ، وفي هذا المقام لا يخفى على احد ان أقوى من نادى بتعزيز الديمقراطية في الشرق الأوسط هو الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن وفي الحقيقة هو ليس اول رئيس نادى بتعزيز الديمقراطية في العالم فسبقه الرئيس الأمريكي ودرو ويلسون عشية الحرب العالمية الأولى الذي تبنى نشر الديمقراطية وقيمها في العالم وقال: أننا سنعزز هذة القيم مهما كلفنا من تضحيات في مبادئة الأربعة عشر التي رفضها الكونجرس الأمريكي ، ولكن بعد الحرب العالمية الثانية وتحالف الدول الديمقراطية ضد الدول الشمولية وعلى رأسهم الاتحاد السوفيتي او امبراطورية الشر كما كان يطلق عليها الرئيس الأمريكي رونالد ريغان ، تحقق لأمريكا ما سعت له في تعزيز الديمقراطية ونفذت ذلك كمثال حي في اليابان وألمانيا وزرعت قيم الديمقراطية بأعلى معانيها.

وتواصلت مساعي الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية في استهداف دول أوربا الشرقية بإطلاق قناة تلفزيونية موجهه لتلك الدول كأسلوب دعائي في استخدام وسائل الإعلام في تعزيز الديمقراطية ثم تلته خطوة إنشاء مكتب حقوق الانسان في وزارة الخارجية الامريكية لنفس الغرض في عهد الرئيس كارتر ، ثم تلته خطوة أخرى في عهد الرئيس ريغان في تأسيس المؤسسة الوطنية للديمقراطية، وركز الرئيس بيل كلينتون على دول آسيا الوسطى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في تعزيز الديمقراطية بالأدوات المتاحة لديه وبواسطة وكالة المعونة الامريكية في برامج تطوير الأحزاب السياسية وبناء قدرات المنظمات الغير حكومية، ومراقبة الانتخابات وتدريب الصحفيين، ثم تبنى الرئيس جورج بوش الابن حساب تحدي الألفية الذي يربط المعونة الامريكية بتعزيز الديمقراطية استناداً الى تقارير وزارة الخارجية الامريكية في حقوق الانسان وتقرير الاضطهاد الديني، وبعد أحداث 11 سبتمبر توجهت أنظار مخططي حرب الجيل الرابع المتقدمة الى الشرق الأوسط بعد دراسة اسباب الإرهاب الموجة الى امريكا من الشرق الأوسط ، وتقدمت دراسات كثيرة لمعالجة الخلل الا ان سياسة ” الفوضى الخلاقة” التي تقدمت بها ” كوندوليزا رايس ” مستشارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن للأمن القومي حازت على الموافقة ، فكان النموذج الذي تم اختياره هو العراق في تطبيق الديمقراطية ومن ثم العدوى الديمقراطية ستصيب باقي الدول في الشرق الأوسط حسب اعتقادهم مثل أحجار الدومينو! ولكن خابت ظنونهم وسلمت امريكا دولة العراق بعد سقوط نظام صدام حسين لأيران بأسم الديمقراطية ولعبت ايران مباراة الديمقراطية بتكتيك حرب الجيل الرابع المتقدمة بإتقان وانتصرت على امريكا ورحل بوش،كما تعرضت خطة الرئيس بوش لنشر الديمقراطية فى الشرق الأوسط لانتقادات عديدة، حيث يرى بعض المحللين الأمريكيين إن هذه الخطة هى بمثابة سراب. ويذكرون عددا من الحقائق لتبرير ذلك، منها أن بعض دول الشرق الأوسط لا يتوافر بها الشروط الضرورية اللازمة لتحقيق الديمقراطية. فلا يوجد لديها الخبرة التاريخية السابقة التى ساعدت دول أوروبا الشرقية على الانتقال للديمقراطية، ويذكر هؤلاء المحللون ثلاثة عوامل تعقد من عملية التحول الديمقراطى فى الشرق الأوسط: الأول هو الإسلام السياسى. ففى حالة الفراغ السياسى التى تعيش فيها دول المنطقة فإن القوى الوحيدة المنظمة وذات القواعد الشعبية هى قوى الإسلام السياسى وأى انتخابات حرة وعادلة فى الشرق الأوسط قد تؤدى إلى حصول الإسلاميين على نسبة كبيرة من الأصوات وربما الأغلبية كما حدث فى الجزائر عام 1992. او ما حصل في مصر في الإونه الأخيرة ، وفى هذه الحالة فإن الديمقراطية قد تؤدى بقوى لا تؤمن بالديمقراطية نفسها إلى الحكم.
والعامل الثانى هو الصراع مع اسرائيل حيث إن استمرار عملية الصراع تؤدى إلى خلق قدر من التوحد بين شعوب المنطقة وحكامها فى مواجهة إسرائيل.- كما يتم استغلال الصراع من بعض الحكومات لتحويل الانتباه عن القضايا الداخلية التى تواجه هذه الأنظمة.
وثالث التحديات هو رؤية الشعوب للولايات المتحدة حيث يسود اعتقاد لدى شعوب المنطقة بإن إدارة بوش تتبنى قضية الديمقراطية ليس نتيجة لإيمان حقيقى بها ولكن بهدف توفير غطاء للتدخل فى العراق وقبول احتلال إسرائيل للأراضى العربية، كما إن مساندة الولايات المتحدة لحكومة شارون تؤدى إلى زيادة حالة عدم الثقة فى الولايات المتحدة.

وبدأت سياسة مختلفة برئيس جديد في ظروف أزمة اقتصادية عالمية كبيرة، تغيرت اللعبة في عهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما وفي اول خطاباته لرسم سياسية الجديدة في الشرق الأوسط قال انه سيزور دولة شرق أوسطية مهمة ومنها سيبدأ التغيير! وزار بعدها مصر وقدم خطابه للعرب ومنها نستنتج بداية عهد جديد في التركيز على الشرق الأوسط بحرب الجيل الرابع المتقدمة وبسياسة جديدة ذكية من رئيس اعتبره أنا من أذكى رؤساء امريكا على الإطلاق!.

قامت سياسة الرئيس بارك أوباما مستندة الى تقرير قدمه ريتشارد هاس مدير التخطيط السياسى بوزارة الخارجية الأمريكية والذي قدم إطارا تفصيليا لرؤية الإدارة الأمريكية للديمقراطية في الشرق الأوسط والذى رأى أنها سوف يتم توجيهها وفقا لعدة دروس تعلمتها الولايات المتحدة فتي مناطق مختلفة من العالم وهي:
1- هناك نماذج MODELSمختلفة للديمقراطية، ومن ثم فإن العملية الديمقراطية لا يجب أن تتبع بالضرورة نموذجا محددا حيث لا يوجد هناك نموذج واحد يمكن إتباعه، فهناك الملكيات الدستورية والنظم الفيدرالية وتلك البرلمانية وغيرها، ولأن هناك تعددية كبيرة في العالم الإسلامي فإن أي نظام سياسي يجب أن يتكيف مع البيئة المحلية.
2- إن الانتخابات لا تصنع الديمقراطية فمن المهم أن تصاحب الانتخابات تطور المجتمع المدني ويتضح ذلك من الفرق بين تجربة الانتخابات في البحرين الذي استغلته ايران والجزائر الذي استغلته أحزاب الإسلام السياسي ففي البحرين تمت انتخابات بعد أن قطعت البلاد شوطا في الإصلاح السياسي والقضائي والإعلامي على العكس من ذلك فإن تجربة انتخابات الجزائر عام 1991 توضح خطر إجراء انتخابات في ظل غياب مجتمع تعددي.
3- الديمقراطية تحتاج إلى وقت، فهناك حاجة كي ترسخ الأفكار والمؤسسات والقيم فعملية التحول الديمقراطي لا يتم قياسها في أسابيع أو شهور، ولكن في سنوات وعقود وأجيال.
4- الارتباط بين الديمقراطية والتعليم حيث يمكن التعليم الأفراد من معرفة حقوقهم وكيفية ممارساتها، وشعب متعلم يستطيع أن يكون قادرا على اتخاذ قرارات صحيحة ويساعد على تجذير الديمقراطية. ومن هنا أهمية تطوير نظم التعليم بالعالم العربي كي تجهز الطلاب للنجاح في مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. فالديمقراطيات الناجحة تتطلب تقاليد تقوم على تنمية قدرات المناقشة والتفكير وليس التلقين.
5- ضرورة وجود وسائل إعلام مسئولة ومستقلة حيث يلعب الإعلام دورا هاما فى إبراز تعدد الآراء والأفكار، وفى نفس الوقت فإن وسائل الإعلابم يقع عليها مسئولية الالتزام بمعايير الحرفية المهنية والاستنارة إلى الحقائق كى تقوم بدورها فى تعليم الناس وليس فقط نشر وجهات نظر معينة.
6- للمرأة دور حيوى فى الديمقراطية فالديمقراطيات لا يمكن أن تكون ناجحة إذا تم إنكار الحقوق الديمقراطية لنصف المجتمع.
7- الإصلاح السياسى والاقتصادى يدعم بعضهما البعض، فالتحديث الاقتصادى استنادا إلى اقتصادات السوق يساعد على تدعيم الديمقراطية كما أن سيادة حكم القانون والشفافية فى صنع القرار وحرية التعبير عن الأفكار هى عوامل تدعم وتسرع من النمو الاقتصادى. ولا يجب أن يكون هناك تتابع بين الاثنين، بمعنى تنمية اقتصادية أولا يليها ليبرالية سياسية وعندما يسير الاصلاح الاقتصادى والسياسى معا، فإن كلا منهما يقوى الآخر.
8- بالرغم من أن الديمقراطية يمكن تشجيعها من الخارج، إلا أنه من الأفضل بناءها من الداخل فالديمقراطية هى عملية يتم قيادتها بشكل أساسى من أعضاء المجتمع. دياذا حاولت الولايات المتحدة أو غيرها فرض نمط ديمقراطى على دولة ما فإن ذلك لن يؤدى إلى قيام واستمرار الديمقراطية، فالديمقراطية التى لها جذور هى الديمقراطية التى تنمو محليا.

على هذا الأساس وضع الرئيس أوباما سياسته وعلى ضوء كل الإرث السياسي الأمريكي من خبرات ما بعد الحرب العالمية الأولى والثانية والبرامج التي طبقت على دول أوربا الشرقية ودول أسيا الوسطى وعلى أخطاء الرئيس جورج بوش الابن في الشرق الأوسط ، فمن كل هؤلاء ومن كل تلك السياسات انبثقت حرب جديدة حرب الجيل الرابع المتقدمة، ولهذا السبب بالذات بدأت امريكا تحقق أهدافها بلا خسائر في الأرواح مثلما كان يحدث في الماضي، وأيضاً أقدمت أمريكا على تخفيض في ميزانية وزارة الدفاع ( البنتاغون) في عهد أوباما وهو يعتبرالأكبر في تاريخها.

ملاحظة : تم اقتباس بعض الفقرات من تقارير أمريكية وعدة مصادر أخرى

د.علي العامري

Advertisements