العرب في تلاطم أفكار وتيارات ، أفكار العرب أشبه بحلبة ملاكمة في انتظار من يسقط أولاً وفي انتظار من يضرب الضربة القاضية ليسقط خصمه ، نعم هذه الحقيقة المره، والشعوب العربية في ترقب في خضم أمواج الأفكار والتيارات التي تعصف بكل الثوابت العربية العتيدة ، هل هي فتنة؟ او انها حالة صحية ستفضي الى عقد اجتماعي جديد يبشر باستقرار المنطقة العربية الملتهبة؟.

التيارات والافكار كما هي عند الغرب وسائر دول العالم مثل أفكار يسارية متطرفة ويسارية معتدلة وأفكار وسط وأفكار يمينيه محافظة وأفكار يمينية متطرفة كذلك هي بذاتها عند العرب ولكن بمنطق العرب وانتماءاتهم الدينية والفكرية !.

بمنطق العرب وانتمائهم الفكري تنقسم التيارات الى :
الأفكار اليسارية: أفكار ليبرالية او اشتراكية. الوسط : خليط بين الفكر الليبرالي والمتدين. اليمين : الأفكار المتدينة التي تنادي بتطبيق الشريعة الإسلامية بالطرق السلمية والديمقراطية.
اليمين المتطرف: الافكار التي تنادي بتطبيق الشريعة الإسلامية بكل السبل حتى ولو كان بالقوة.
إذا تلك الأفكار ليست جديدة في العالم ولكن بمنطق العرب ومفهومهم وإيمانهم وإنتماءاتهم تصنف كذلك!.

في الواقع ليس المهم اليسار والوسط واليمين في حديثنا هذا ولكن الأهم ان تصب كل تلك الأفكار والتيارات والإنتماءات في وعاء الديمقراطية والتسامح وتقبل الأخر حتى لا تفرض الأقلية فكرها على الأغلبية ولا ان تأتي الأغلبية وتقصي الأقلية! ومثال على ذلك:
الشيعة في الخليج هم أقلية ولكن ينعمون بظروف ممتازة ويمارسون طقوسهم وأفكارهم بحرية وهو مثال حي بعدم إقصاء الأغلبية للأقلية ، وفي الجهة المقابلة الفرس الشيعة في ايران يقصون الأقليات السنية والعربية والكردية والبلوشية والتركمانية والآذارية وهذا السلوك يتجسد في الدستور الإيراني حيث اقتصر الحكم على الشيعة والشيعة الإثني عشرية بالذات وإقصاء جميع المذاهب والأعراق وهذا هو قمة الجور والظلم والتطرف الاجتماعي والسياسي.

في الواقع يجب الاعتراف اولاً بوجود عدة تيارات وأفكار في بلاد العرب ومنها على سبيل المثال لا الحصر: التيار السلفي ، والتيار السلفي الجهادي ، وتيار الاخوان المسلمين المعتدل الذي تمثله أفكار حسن البنا ، وتيار اخر متطرف تمثله أفكار سيد قطب ، وتيار صوفي ، وتيار شيعي عروبي ، وتيار شيعي يؤمن بولاية الفقيه ، وتيار مسيحي عروبي ، وتيار مسيحي غربي ، وتيار ليبرالي عروبي ، وأخر تيار ليبرالي متطرف يستقوي بالغرب، وهناك تيار لا ينتمي لكل تلك التيارات وهم الأغلبية او خليط من كل تلك التيارات والأفكار.

العرب الان يعيشون في صراع فكري شديد القوة بين جميع تلك التيارات والأفكار أشبه بالفتنة، وكل تيار يخون التيارات الأخرى ويتحالف مع الغريب ضد القريب الذي يختلف معه بالأفكار وهذا بحد ذاته يحمل خطورة عظمى تتمثل في تقطيع ما تبقى من النسيج العربي الفكري او انه مؤشر الى عصف أفكار حتى التوصل الى عقد جامع يرضي الجميع!.

اذاً كيف يمكن لكل تلك التيارات ان تعمل في إطار الوطن الواحد وان تقبل بعضها البعض بالتعايش تحت سقف الوطن وتقديم مصلحة الوطن الواحد؟ لا شك ان هناك نماذج نشاهدها في الغرب وبمستوى اقل نشاهده في بعض الدول العربية ولكن ما زلنا في طور البناء الفكري والعاقبة للمتقين من الفتنة!.

ما هو الحل اذاً ؟ الحل الوحيد لنهوض الدول العربية هو بالديمقراطية من خلال تهيئة البنيه التحتيه الفكرية للمجتمع بكل تياراته حتى تتكون الدولة العميقة التي تؤمن بأفكار التسامح وتقبل الاخرين على أساس مصلحة الوطن وحماية مكتسباته الوطنية والفكرية، ومن ثم يمكن لأي ديمقراطية ان تنطلق بنجاح في ظل مجتمع واعي ناضج فكرياً على اسس قوية وثابتة.

لنضرب مثال ما حدث في مصر من عملية ديمقراطية في الواقع كانت سليمة ونزيهة ولكن في ظل عدم النضج الفكري الذي نتحدث عنه أوصلت الديمقراطية الغير ناضجة فكرياً جماعة دينية منظمة تنظيم جيد الى السلطة بعدما استغلت الظروف الغير مستقرة وعدم استعداد الطرف الأخر للمنافسة او لعدم تنظيم الطرف الأخر لخوض المنافسة ! ولكن حين فاق الطرف الأخر وبعدما استعد للمنافسة متأخراً أدرك انه دخل المنافسة على غفله منه، وأدرك ان ثورته وتضحياته ذهبت لغيره، وبعدها قام بثورة أخرى حتى يصحح المسار ، ونتيجة لذلك التصحيح من الطرف الأخر طبيعياً لن يقبل الطرف الثاني هذا التصحيح ولن يقبل رأي الساحة الأخرى ودواليك…!

لهذا السبب أقول يجب تهيئة البنية التحتية الفكرية قبل الدخول في عملية ديمقراطية حره وإلا سيظل الشعب المصري متأرجح بين ثورتين ثورة ٢٥ يناير وثورة ٣٠يونيو وكل طرف سيظل متمسك بثورته!.

غير ذلك سيصبح التناحر سمة الديمقراطية الغير ناضجة وسياسة الإقصاء لفريق ضد باقي الفرقاء ، وسيظل البلد الواحد ينقسم الى ساحات وكل ساحة لها وسيلة إعلامية ولها دول أجنبية تؤيدها، ولذلك لن ينتصر الوطن الواحد على نفسه الا من خلال الوعي والنضج الفكري الذي يؤدي الى عقد اجتماعي يرضي الجميع وبعدها ممكن لأي عملية ديمقراطية في بيئة صحية ونضج فكري ان تنجح المنافسة الديمقراطية.

لبناء البنية التحتية الفكرية لا مجال للتعاطف مهما كلف الأمر، ولا اعتراف بوجود مرجعية غير مرجعية الوطن ، وليعلم الجميع ان الطريق الى الديمقراطية ليس مفروشاً بالورود وليس بالطريق السهل ، وليس فقط صندوق واقتراع! وإنما فكر عام يتبنى الديمقراطية فكراً قبل ان تكون صندوقاً.

د.علي العامري

Advertisements