يرتبط بعض البشر بعلاقات بالأخرين على أساس العرق والدين والمذهب واللون والجنس … الخ ويرفض بناء علاقات خارج هذا الإطار الضيق الذي حبس نفسه فيه ، هذا مبدأ بطبيعة الحال غير منطقي ويخالف شرع الله.

وهذا بينه الله في القرآن في قوله تعالى : “وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسبا وصهراً” وفي قوله تعالى : “ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين “.

إن الذين يسجنون أنفسهم في سجن المجتمع الواحد والعرق الواحد والطائفة الواحدة والدين الواحد ، يريدون تدمير ثروة إنسانية هائلة بقصد او بدون قصد، وأن يحوِّلوا نعمة التبادل الحضاري المُتعدِّد المتنوِّع والمختلف إلى نسخ متكرِّرة تشبه الزّي الموحّد، أو مصنع الدواجن الذي لا تقدر على تمييز بعضه عن بعض.

إنّ نكهة الإنسانيّة وطعمها ولونها ورائحتها، تتجلّى في هذه الفسيفساء، وهذه اللوحة التي ينطلق كلُّ لونٍ فيها بجرس موسيقيٍّ متناغم. ويقول الشاعر:
“إذا كان أصلي من تُرابٍ فكلُّها بلادي، وكلّ العالمين أقاربي”.

فما دام الأصلُ واحداً، ففيمَ التفاخر باللون، أو العرق ، أو الدم ؟!
ولقد كانت آخر كلمات النبي (ص) هي هذه الرسالة الإنسانية: “أيها الناس! ألا إنّ ربّكم واحد، وإنّ أباكم واحد، ألا لا فضل لعربيٍ على عجميٍّ ولا لعجميٍّ على عربيّ، ولا لأسود على أحمر، ولا أحمر على أسود إلا بالتقّوى، ألا هل بلّغت؟! قالوا: نعم! قال (ص): ليُبلِّغ الشاهد الغائب”.
وتبليغ الشاهد الغائب يعني إيصال الرِّسالة لكلِّ الأجيال، وليس مَن سمع الخطاب فحسب.
أمّا القيمة الأساسية التي تُعدّ معياراً للتفاضل الإنساني، هي (التقوى)، أي أنّ الأفضل هو (الأصلَح) لنفسه وللنّاس من خلال ما عقده من صلح مع الله وتصالح مع الحياة هذا هو مفهومي للتفوق الإنساني فهو الصلح مع الله ومع النفس ومع الناس الاخرين هنا تكتمل أركان الحياة وتتحقق السعادة ونستطيع ان نستثمر وجودنا في الحياة نحو البناء والتطور الحضاري ، وأما المفاضلة الأخرى للإنسان هي العقل فمن خلال طلب العلم والحكمة يرفع الله المتعلمين درجات عن غير المتعلمين وهذا واضح من خلال العديد من الأيات وفي القرأن الكريم فقد قال الله تعالى في الآية التاسعة من سورة الزمر : “قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ”
فقد فرق سبحانه وتعالى بين البشر في منزلة العلم لما له من فضل ومكانه فالبشر درجات من حيث التقوى والعلم فقط لا من حيث اللون والعرق والدين …الخ. هذا مفهوم إسلامي أساسي ولكن أكثر الناس لا يعلمون او أنهم عنها غافلون ، او انه الحنين الى الجاهلية!.

وفي نفس الفكرة من ان الانسان يأتي من مصدر واحد من ادم ومن ثم ينتقل في سلالة من نطفة حتى اصبح البشر فرق وقبائل وشعوب ولكن يظل الأصل واحد، يقول تعالى : { إنا خلقناهم من طين لازب } الصافات/11.
وهذا كله يصدقه حديث أبي موسى الأشعري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” إن الله عز وجل خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب ” . رواه الترمذي.

ان الانسان خلق من طين ومن خصائص الطين قابلية الزرع فيه ، فإذا زرعت فيه بذر طيب اخرج نبات طيب وإذا زرعت فيه بذر خبيث أنبت نبات خبيث وهو نفسه الانسان اذا ربيته وعلمته على الأخلاق الطيبه اصبح خلوق وطيب وإذا ربيته وعلمته على سوء الخلق كان مثل ما تربى عليه ، ومن خصائص الطين انه متماسك وفي نفس الوقت ينفذ من خلاله الماء ، فنفس الانسان يتقبل الأخرين الذين كالماء لينفذوا فيه وفي نفس الوقت لا يقبل اي مادة ان تنفذ من خلاله الا بالقوة ، ومن خصائص الطين اذا صببت عليه الماء اصبح رطباً لزجاً يتعلق ببعضه وإذا أمسكت عنه الماء واصبح جافاً تفرق واصبح جافاً كالإنسان اذا اجتمع بالناس واختلط بهم تعلق بهم واصبح مرن في علاقاته ، وإذا اصبح جاف الطباع وحاد الشخصية ابتعد عنه الناس واعتزلوه، وخصائص الطين انه يصلح للبناء اذا هو لزجاً رطباً وإذا اصبح جافاً لا يصلح للبناء، والإنسان كل ما كان متجانساً مرتبطاً ومتعاون مع الاخرين استطاع ان ينجح ويؤسس لنفسه صروح من النجاحات ، وكل ما اعتزل الناس واصبح أناني يصبح من الصعب التفوق والنجاح، ومن خصائص الطين انه سهل التشكيل متى ما كان رطباً ولزجاً وبالإمكان عمل زخارف جميلة به وإذا هو جافاً يكون صعب التشكيل ولا تتأمل جمالاً منه فالإنسان كذلك كلما كان متعاوناً متفاهماً محباً مع الاخرين اخرج اجمل ما فيه من إبداع والعكس تماماً.

فالإنسان خلق من طين ويحمل نفس خصائص الطين ، فيا أيها الانسان أدعوك ان تصبح اصل خلقك وهو الطين.

حين يختل ميزان الأخذ والعطاء لصالح الإنسان، كثيرا ما يسكت ويقبل بهذا الوضع، وإذا اختل لغير صالحه يملأ الدنيا صياحا واحتجاجا، لذلك أحب الناس في المجتمعات كلها الإنسان الكريم لأنه يعطي أكثر مما يأخذ، وكرهوا البخيل واحتقروه لأنه يأخذ ولا يحب أن يعطي، وقد تستمر العلاقات الجائرة أحيانا، لأن الطرف الآخر يقبل بها لاضطراره وحاجته، ولكنها تظل علاقة مهزوزة وغير طبيعية، فالصداقة القائمة على الانتهاز، والزواج القائم على تسلط أحد الطرفين، وعلاقات العمل القائمة على الاستغلال، كلها علاقات غير عادلة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى علاقات ا لدول والشعوب، فالعلاقة القائمة على تسلط دولة بالقوة على دولة أخرى أو عنصر على عنصر آخر، هي علاقات لا يمكن أن يكتب لها الاستمرار لأنها قائمة على الظلم والاغتصاب أو على العنصرية والعنجهية.
وخير دليل على ذلك استقلال الجزائر ومعظم الدول التي عانت من سيطرة الاستعمار، وكذلك سقوط الأنظمة العنصرية في جنوب إفريقيا وناميبيا والزمبايوي، ولاشك أن نظام إسرائيل المحتل الجائر سينهار هو الآخر ولن تحميه القوة الذرية أو النووية ولا أسلحة العالم كله لأنه يتحدى المبادئ والأخلاق والشرائع والأديان ظنا منه بأن الحق للقوة في العلاقات الإنسانية والدولية.

د.علي العامري

Advertisements