هذا العنوان بحد ذاته علم من علوم الهندسة السياسية ، والهندسة السياسية علم جديد يتطور ولم يزل في طور التكوين ولكن أجزم انني الوحيد الذي سيقدم هذه الإضافة في فصل جديد في علم الهندسة السياسية الذي سبقني غيري في شرح مفهوم هذا العلم الجديد الذي يتشكل حديثاً ، وهذا الفصل من تأليفي وهو بأسم : “العناوين تلغي التفاصيل” وسأعطي في مقالي هذا نبذة عن هذا الفصل المهم في علم جديد في علم السياسة بدأ يتشكل!.

في مقدمة مقالي سأعطي مثال مشاهد وهو وزير الخارجية الامريكي “جون كيري” فهو أبرع مهندسي السياسة وأفضل مثال نقدمه ، “فالمهندس السياسي على سبيل المثال هو ذلك الانسان الذى يعمل على حل المشاكل السياسية المعقدة وجعل الاشياء تسير بأكثر فاعلية وبأقل التكاليف” وهذا ما عايشناه في هذه الحقبه من التاريخ مع هذا الوزير المحنك، فكيف جعل هذا الوزير المخضرم من سوريا وإيران تخضعان لهندسة سياسته في تسليم الاولى السلاح الكيماوي والثانية التوقف عن برنامج التسلح النووي!.

المثال عن وزير الخارجية هو مثال صريح يفتح مداركنا لفهم هندسة السياسة ولكن ما هي الهندسة السياسية؟

مقتبس من بحث للبروفسور الليبي محمد بالروين:

“يمكن القول ان الهندسة السياسية مثلها مثل الهندسة فى العلوم الطبيعية تعمل من أجل تحويل وترجمة الافكار والنظريات الى واقع عملي ملموس وفقا لأهداف محددة سلفا، بمعني ان الهندسة السياسية هى فرع من المعرفة الذى يستخدم المصادر الطبيعية والادوات العلمية والفنية لتصميم وإنتاج هياكل وعمليات وأنظمة ومؤسسات فى المجتمع وفق لمعايير محددة وأهداف متفق عليها، وانطلاقاً من هذا، يمكن القول ان الهندسة السياسية تعني ببساطة ان الانسان يستطيع باسلوب علمي ومنهجي تغيير مجتمعه عن طريق تغيير المؤسسات والقوانين والعمليات السياسية فيه، وتعني أيضا عدم ترك الاشياء السياسية الى الصدف وانما لابد من الاهتمام بالاسباب والظروف والمعطيات وتسخيرها لتحقيق الأهداف المنشودة ، ويمكن إعتبارها أيضاً من أهم وأقوى الادوات السياسية للقيام بتغييرات جوهرية فى المجتمع وفى تشكيل أو إعادة تشكيل الهيكلية السياسية فى أى دولة، وبإختصار شديد يمكن القول بان الهندسة السياسية تقوم بــــ :

* تحويل المفاهيم والمبادي النظرية الى واقع عملي معاش.
*الانتقال من عالم الشعارات الى عالم البرامج.
* تجسيد واقعي عملي للافكار التى يؤمن بها افراد المجتمع من أجل بناء آليات حكم عصرية.
* تصميم سلوك سياسي فى الدولة وبناء مؤسسات ووضع قوانين ورسم جغرافيه سياسية.
* إستخدام المناهج والاساليب العلمية فى التعامل مع الواقع من أجل تغييره للأحسن.
* تحويل المفاهيم والمبادي النظرية الى واقع عملي معاش.
*الانتقال من عالم الشعارات الى عالم البرامج.
* تجسيد واقعي عملي للافكار التى يؤمن بها افراد المجتمع من أجل بناء آليات حكم عصرية.
* تصميم سلوك سياسي فى الدولة وبناء مؤسسات ووضع قوانين ورسم جغرافيه سياسية.
* إستخدام المناهج والاساليب العلمية فى التعامل مع الواقع من أجل تغييره للأحسن”.

بعيداً عن الخوض في الهندسة السياسية وتشعباتها والتركيز في وضع القارئ على مفهوم “العناوين تلغي التفاصيل” فلو أفترضنا مثلاً انه هناك حدث كبير يجذب انتباه المهتمين وهذا الحدث تلاه حدث أكبر منه، فالنتيجة ان الحدث الاول يصبح من التفاصيل الغير مهمه بموازة الحدث الجديد الذي يجب ان يكون مركز الاهتمام والتركيز ، فلو مثلاً قام شخص بقتل عائلة كاملة بطريقة وحشية واختفى ، فستصبح هذه المجزرة هي العنوان الرئيسي للحدث، ولكن لو تخيلنا انه وبعد فترة من الزمن خرج هذا القاتل للعيان وادعى انه مظلوم وانه كان يدافع عن نفسة في مؤامرة كبيرة لقتلة وكان هدفها المال وانه يطلب من سلطات تنفيذ القانون تفهم معاناته وتطبيق العدل ، بديهياً سيذهب سريعاً التركيز على الحدث الجديد كعنوان رئيسي وستصبح المجزرة من التفاصيل التافهة!!!.

في هذا الفصل من العناوين تلغي التفاصيل في هندسة السياسة ومن خلال الأحداث السياسة المتوالية في عالمنا العربي نطرح مثال أخر وهو استخدام النظام السوري الأسدي للسلاح الكيماوي ضد شعبه في الغوطه الشرقية مؤخراً ، فبعد ان تورط النظام بالأدلة الدامغة في استعمال السلاح الكيماوي ضد شعبه من المدنيين، وبعد ان تحركت القوى الدولية بغضب ضد هذا النظام لمعاقبته عسكرياً ، استنجد هذا النظام بهذه السياسة لإنقاذ بقاء النظام بإن طلب ان يسلم كل مخزونه من السلاح الكيماوي كاملاً وان يفكك مشروعة الكيماوي برمته ، وبهذه السياسة اصبح الحدث الجديد تسليم الكيماوي وتفكيك المشروع الخطير، وغدت مجزرة الكيماوي وجميع القتلى من التفاصيل التي لا تذكر ولا تهم أحداً وحتى الامم المتحدة او المجتمع الدولي!.

هناك الكثير من الأمثلة في الملفات السياسية لهذا العلم قد استخدم بقصد ومعرفة او بحدس ودهاء شخصي، وأكاد أجزم انه قد يكون بدون علم ممنهج، ولعلنا ألمحنا في مقدمة مقالنا هذا الى وزير الخارجية الامريكي جون كيري وتطبيقه لهذا التكتيك، وايضاً هناك مثال أخر حي الا وهو تورط حزب ايران في لبنان والذي يسمي نفسه ” حزب الله ” في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري فبعد ان ضاق الخناق على الحزب بالأدلة الدامغة انتهج الحزب سياسة إلغاء الحادثة وجعلها تفاصيل لحوادث أخرى مثل اغتيال شخصيات مهمه اخرى وأخرهم اغتيال مدير جهاز المعلومات في لبنان الشهيد وسام الحسن وإلصاق تهمة تسهيل اغتيال الحريري على عاتق الحسن وبذلك اصبح الحدث الجديد هو كيف يصبح الحسن متورط او من اغتال الأخرين؟ وأصبح الحدث الرئيسي الا وهو اغتيال الحريري من التفاصيل الغير مهمه!؟ لذلك هذا الفصل يركز على هذه التكتيكات في علم الهندسة السياسية وهو مهم جداً وهو فن من فنون السياسة الذي يجب ان يدرس في معاهد السياسة الحديثة لما له من أهمية في إدارة الأحداث وتطويعها!!!.

د. علي العامري

Advertisements