تحدثنا في مقالنا السابق في فصل جديد في الهندسة السياسية بأسم : ” العناونين تلغي التفاصيل ” واليوم أتحدث عن موضوع أخر في الهندسة السياسية اسميه : ” التفكير بعقلية البيئة”.

هذا العنوان يعني ان صانع القرار السياسي او مهندس السياسة في اي بلد ما عليه الا ان يفكر بعقلية البيئة التي ينوي المناورة السياسية فيها وليس بالتفكير بالعقلية التي ينطلق منها! بمعنى اذا أراد وزير الخارجية الامريكي جون كيري ان يتخذ قرار ما في اي بلد في العالم عليه ان يطلع على أعلام ونفسية والرأي والمزاج العام لذلك البلد وليس القرار المستند الى أعلام بلده ونفسيته ومزاجه ولو ان الرأي العام لبلده مهم ولكن هو مفوض للعب هذا الدور بناء على مصلحة بلده في نهاية المطاف!.

على ضوء التعريف السابق سنضرب بعض الأمثال التي ستعطي القارئ صورة أوضح لهذا المنهاج، فعندما يتخذ وزير الخارجية الامريكي قرار سياسي مثلاً في الشأن السوري فعليه متابعة المزاج والرأي والإعلام العام السوري الرسمي والشعبي وكذلك عليه الاستماع لنصيحة مساعده في شؤون الشرق الأوسط وأيضاً تقارير استخباراتية متخصصة وأخيراً وليس أخر سفير الولايات المتحدة الامريكية في سوريا وبذلك يصبح قرار وزير الخارجية الامريكي نابع من البيئة السورية وبنفس النغمه المزاجية المنسجمه مع المحيط الداخلي السوري والعربي والمصالح الامريكية وحلفائها.

لذلك يمكن ان نصنف مثلاً القرار السياسي القطري في بعض الملفات العربية بعيد كل البعد عن التفكير العقلي للبيئة المحيطة فلو شاهدنا القرار العام الخليجي بشأن الملف المصري نرى ان قطر تغرد خارج السرب الخليجي ولا تستوعب المزاج الخليجي والمزاج المصري وتتخذ قرارها على أساس فكري حزبي متعصب و ضيق ينعكس سلباً عليها في الداخل القطري والمحيط الخليجي والعربي والشعب المصري!.

ولو حللنا قرار حزب ايران في لبنان والذي يسمي نفسه ” حزب الله” في اتخاذ قرار دعم نظام بشار الاسد عسكرياً ، فقد اتخذ الحزب قرار الحرب عكس المزاج والرأي الحكومي الرسمي والشعبي اللبناني وكذلك ضد إرادة ورأي غالبية الشعب السوري ، وبذلك نفهم ان القرار كان قرار إيراني صريح يصب في صالح العلاقة الاستراتيجية الايرانية السورية، والقرار لا يمت بصله بأي ذكاء سياسي وإنما بقرار طائفي بشع ضد اي بعد إنساني ولذلك هو منطقياً خاسر ، فبهذا القرار السياسي خسر الحزب التأييد الشعبي اللبناني بكل مكوناته المسلم السني والشيعي والدزري وايضاً المكون المسيحي بكل مذاهبه، مما أرتد حب الشعب السوري للحزب الى كراهية وعمليات ثأر من الحزب ،وايضاً خسر الحزب الأصوات القليلة العربية المتعاطفة له في السابق بل انكشف الحزب للجمهور العربي وانفضح بإنه حزب إيراني خالص ، والنتيجة ان الحزب حفر قبر نهايته بيده بقرار اتخذه ضد البيئة التي ينوي اتخاذ القرار فيها وبالتالي ان اتخاذ القرار السياسي يتطلب ان يفهم صانع القرار السياسي ومهندس السياسة ان اتخاذ القرار يجب ان يمر بمراحل مهمه تعطي متخذ القرار الصورة التي تجعله وكأنه يعيش في نفس البيئة التي ينوي اتخاذ القرار فيها ، وهنا اثني على السياسة الخارجية الامريكية والتي تتخذ القرار بناء على فهم معلوماتي منطقي مستند الى مصلحة أمريكا في المقام الاول وحلفاء أمريكا، ويتدرج هذا الفهم الامريكي في اتخاذ القرار السياسي الى هرم من المراحل، ومن عدة مصادر وبتسلسل منهجي يجعل مهندس القرار يتخذ قراره مطمأن من قراره وكأنه يخاطب في قراره فكر الشريحة الأكبر في البلد المعني اتخاذ القرار السياسي فيه.

د.علي العامري

Advertisements