كل إنسان له أسلوب في الحياه وله فكره الخاص وطريقته وما علينا الا احترام سلوك وأسلوب وفكر وطريقة الأخرين، وفي إهمال وعدم الاعتراف بالغير مهما كان مختلف فكرياً او عقائدياً او سلوكياً يصعب التواصل والتأقلم والاندماج مع الأخرين ويجعلنا نعيش في واقع وفكر جامد وثابت وغير متطور ، مثلنا مثل العجوز الذي نشأ على حياته الخاصه ويريد من أولاده ان يلتزموا بطريقته هو والذي يعتقد انها الأصح وما دونها خاطئ وهذا هي العقده التي يقع فيها الآباء في تربية الأبناء وينسى انه في جيل اخر عن جيل الأبناء ، فالجيل الجديد له أسلوبه وطريقته في الحياه تختلف بعض الشيئ عن الجيل الذي سبقه ويقول المدون السعودي جميل الراشد: “تحتاج بعض العقول الى غربلة أو إعادة تأهيل من جديد، لأن العقل اذا لم ينظر للواقع بأنه واقع والى الحق انه حق، سيعتقد أنه دائما أنه على صواب حتى لو كان على باطل، والآخرون هم على باطل حتى لو كانوا على صواب.. وهذه النظرة من قبل البعض ما هي الا نتيجة لعدم انفتاحهم الفكري على الثقافات الأخرى أو حتى الإطلاع المتواضع لما يكتبون أو يقولون ، مما يعود بالضرر على العقل المنطوي على نفسه وعلى باقي العقول النائمة التي لا تتعب نفسها على التفكير إطلاقا”.

الانسان الذي يعيش في مجاله ولا يطلع على المجالات الاخرى يتوقف عند حقيقة واحده وهو لا يعلم ان الحياه تتطور وربما تتغير مفاهيم وأفكار لذى يجب ان نحترم الاختلاف ونستكشف العوالم والمجالات التي تحيطنا او اننا سنعيش مقيدين في مسار واحد كحصان السباق والذي تغطى عينيه من الجوانب ولا يرى الا مضمار السباق الذي يركض فيه، يجب ان نتقبل أفكار وسلوك الغير حسب الضوابط الأخلاقية والمسافات طبعاً وان نتعايش مع الاختلاف والتغيير الذي من حولنا حتى تستمر الحياه من جيل الى جيل ومن فكر الى فكر للأفضل ، والاختلاف هي من سنن الله في طبيعة البشر كما في قوله سبحانه وتعالى في سورة هود : {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ}
وفي الحديث الشريف يقول صلى الله عليه وآله وسلم : “: إنما هلك من كان قبلكم من الأمم باختلافهم في الكتاب” ويغفل الكثير من الآباء في مسألة الاختلاف ان التربية ليست بالضرورة أوامر وقوانين نشرعها لهم بل هي حياه ومعاشره حسنه وقيم نزرعها ويعيشها الأبناء ويتشربونها تلقائياً بدون فرضها فرض بالقوه والأوامر الصارمه ، فالحياة متنوعة والبشر مختلفون حتى بين الآباء والأبناء في الأسلوب والفكر فالمفروض ان نحترم المجال الفكري الخاص لكل شخص وان نحترم المجال الفكري المشترك بيننا ، وقد شاهدنا عند الكثير من الأسر المحافظة والتي تنتهج منهج صارم في تربية الأبناء من تمرد على تلك الصرامه بالانحراف وكذلك شاهدنا عند الكثير من الأسر المتحررة التي تربى الأبناء بحريه اخرجت منهم أبناء صالحين ، فالحكمه بالمعاشرة الحسنه مع ترك الحرية للأبناء في التفكير والاستكشاف بأسلوبهم وليس فرض اسلوبنا وقوانيننا بالقوه!.

نقابل الكثير من الناس في مسيرة حياتنا منهم من ننجذب نحوه لانه يتماثل معنا في الفكر والأسلوب ومنهم من ننفر منه لانه بعيد عن فكرنا واسلوبنا! وهكذا نسلك الطريق الغير صحيح بالنفور مع من نختلف معه في الفكر والأسلوب فالأجدر بنا ان نحاور من نختلف معه حتى نعرف الطريق الاخر والفكر الاخر والأسلوب الاخر حتى نجعل من حياتنا مثمرة ومقنعه ، يقول المدون السعودي جميل الراشد : “ثمة من يأمل من الآخرين أن يعرفونه طريق الحق فيبقى منتظراً حتى يرشدوه على ذلك الطريق!!.. وهذا ليس مستنكراً أبداً، بل هو مطلوب ، ولكن هذا لا يمنع أن تكتشف أنت طريق الحقيقة بنفسك، فالذين أكتشفوا الحقيقة تعبوا كثيراً من أجل ذلك، الى أن وجدوها..ففرحوا عندما وجدوها،وتلذذوا لأنهم هم من وجدها وليس غيرهم”.
فأحترام الاختلاف هو احترام لخصوصية الغير فلكل إنسان مجاله الخاص الذي يتمتع به والذي لا يتماثل مع الآخرين ويوجد بين كل مجال خاص وأخر مجالات عامه يشترك الناس فيها وهذه المجالات المشتركة تنظمها الدولة وترعاها وعلينا احترامها ، ويقول المفكر المصري مصطفى محمود: ” لا بد من احترام المسافة التي تحفظ لكل فرد مجاله الخاص وكينونته الخاصة كإنسان مستقل له الحق في أن يطوي ضلوعه على شيء”.

في مرات عديدة نقحم أنفسنا في اختراق مجالات الغير الخاصة وهذا خطأ يقع فيه الكثير من الناس ، فالمحافظة على المسافات واحترام المجالات الخاصة ضروري الا اذا دعينا للدخول للمجال الخاص وإلا من الأفضل والاقوم ان نحافظ على تلك المسافة الخاصة لكل فرد مهما كانت علاقته معنا! وان نحترم الاختلاف الخاص بكل فرد وان نشترك في المجال العام.
هل شعرت يوماً مثلاً وانت في المصعد واحدهم قريب جداً إليك او يكاد يلتصق بك بسبب الزحمه ان شعور بالضجر والنفور بدأ عليك؟ هذا بسبب ان شخص ما غريب اخترق مجالك الخاص والذي ممنوع الاقتراب منه الا للأشخاص المقربين منك كالزوجة والأبناء والوالدين …الخ!
وبنفس شعور الضجر الذي وصفناه باختراق المسافات يوجد ايضاً الشعور نفسه ولكن فكرياً فعندما يقحم شخص غريب منك نفسه في المجال الخاص بك بدون سابق دعوة يتعرض للصد ، فمثلاً هل يحق لغريب او صديق صديقك ان يسألك ما هو الذي يحزنك؟؟؟ طبعاً سؤال مثل هذا النوع لا يمكن ان تبوح به الا الى أقرب الناس إليك والذين هم اساساً في مجالك الخاص،
فحافظ على تلك المسافة الخاصة قدر المستطاع ، وتحرك في المسافة العامة والمشتركة بين الناس،
وقس على ذلك الكثير من الأمور التي يجب ان نميزها بين المجال الخاص والمجال العام والمحافظة على المسافات وان نستكشف مجالات وأفكار الغير بدعوه وليس عنوه!.

د.علي العامري

Advertisements