هناك تفاوت في السلوك بين الناس ، فمنهم من يتصرف بشكل مهذب وراقي ويراعي الشعور العام ومنهم من لا يهتم بالشعور العام ويتصرف وكأنه الوحيد في هذه المعمورة وهذا يرجع الى أمرين هما: الجهل والبيئة.

رأيت عائلة ريفية تدخل مطعم وصوتهم مرتفع جداً وأحدثوا جلبه في المطعم وتصرفاتهم حادة وشرسة مع العاملين في المطعم، وهم غير مهتمين بمن حولهم، وفي نفس المطعم كان هناك الكثير من العائلات الأخرى التي تحافظ على شعور الأخرين ولا تكاد تسمع لهم صوت او تصرف غير مألوف ، العائلة الريفية تعودت على الصوت المرتفع بحكم البيئة فأهل الريف او الصحراء وبسبب المناطق الشاسعة والواسعة والمفتوحة التي يعيشون فيها تلاحظ عليهم ارتفاع أصواتهم، وفي المقابل تلاحظ اهل المدينة صوتهم هادئ لأنهم يعيشون في بيئة متقاربين مع الأخرين في المسكن او الطريق او العمل فلذلك تلاحظ أصواتهم تراعي الشعور العام.

انا لا اقصد العرب هنا ولكن الاختلاف بين اهل الريف او الصحراء وأهل المدن هو نفسه في كل المجتمعات.

والأمر الأخر هو الجهل ، فنلاحظ سلوك وتصرفات الجاهل تختلف ايضاً عن المتعلم والمثقف ، فالجاهل يتصرف بطريقة غير حضارية مع الأخرين ولا يراعي الشعور العام الا من رحم ربي من عاش في بيئة يسودها النمط الحضاري ، عكس الانسان المتعلم فهو حضاري وراقي في سلوكه في اي بيئة.

يقول ابن خلدون في مقدمته: البدو او ( الريفيين) امة وحشية (ويقصد بالوحشية هنا بعدهم عن التمدن والحضارة وحياة الألفة بين البشر) متوغلة في البداوة منذ زمن بعيد، وأصبحوا يستلذون حالة العزلة والتوحش، لما فيها من خروج على ربقة الحكم وعدم الانقياد الى الأوامر والضوابط المعمول بها في المدن التي تفرضها الدولة أو الحاكم عليهم”.

هذه الأمور التي تحدث عنه ابن خلدون من مئات السنين دقيقة وارجع سببه الى الجهل والبيئة، فمتى تعلم الفرد وعاش في بيئة تراعي الشعور العام زال عنه التوحش وإيذاء الشعور العام.

ولكن يتصف البدوي او الريفي بصفات حميدة ايضاً لا تجدها عند الحضري ومنها الشجاعة والصبر والنخوة والمساعدة … الخ. بحكم البيئة التي يعيشها التي تتطلب هذه الصفات لكي يستمر في الحياة ، وفي هذا اضرب مثل حصل أمامي في مدينة ( بالتيمور) وعندما كنا طلبة ندرس في الولايات المتحدة الامريكية سقط من فوق الجسر شخص الى البحر بقصد الانتحار، الجميع احتشد بواقع الفضول فقط من دون ان يتحرك احد لإنقاذ الشخص ، ونحن كنا مجموعة من ستة طلبة فقررنا ان ننقذ الشخص فقفز اثنان من الأصدقاء وكان الماء جداً بارد لانتشال المنتحر ونحن كنا فوق الرصيف العالي استعداداً لسحبهم من الماء، وتمت عملية الإنقاذ بسلامة الجميع، هذا الموقف لا أنساه فقد تجمع الحشد حولنا بعد إنقاذ الشخص لتكريمنا وكأننا احرزنا كأس العالم! بالاضافة لذلك أتت الشرطة لأخذ ارقام هواتفنا لتكريمنا لاحقاً، هذا الحدث طبيعي عندنا ولكنه غير طبيعي عند الامريكان لان هكذا إنقاذ يعتبر مخاطرة ، وهذه الصفات التي دفعتنا لإنقاذ الشخص نحملها من بيئتنا وليس من البيئة التي ندرس فيها طبعاً!.

د.علي العامري

Advertisements