لم يخطط او يبنى مشروع وطني في بلاد العرب حتى الأن ، ولم تقدم الحركات القومية والعلمانية ولا الحركات الاسلامية اي مشروع وطني للنهضة.

العقلية العربية عاشت قطيعة مع الفكر والعلوم ولذلك لا يمكن ان تنجح اي حركات او تيارات بدون ان تتبنى مشروع نهضوي يقوم على اعادة هيكلة المنهاج العلمي والذي بدوره سيفرّخ اجيال تعي آليات الحياة العملية وتملك الأفكار وتطوعها وتستوعب علوم العصر وتستخدمها ، لا ان تستورد الأشياء ولا تستطيع حتى صيانتها!!!. يجب الوصول الى أعماق المضمون وليس الى القشور للتطلع الى نهضة حقيقية.

الصحوة الاسلامية والقومية العربية هي حركات فاشلة أنتجت احزاب وتيارات ذات جدل فلسفي عقيم بدل من ثورات عملية ذات مشروع وطني تأخذ المجتمع الى الابتكار والعمل.

والتغير المطلوب ليس بالضرورة ان يكون تقليد غربي كما يدعي اصحاب التيار الليبرالي ولكن يجب ان ندفع نحو مدرسة التغيير الشامل نحو الابتكار والعمل بمضمون وجوهر إسلامي نابع من البيئة العربية.

تجارب المشروعات الوطنية على المستوى العربي محاولات بسيطة لا تكاد ترقى الى مستوى مشروع وطني ، فقد حاول الرئيس التونسي بورقيبة في العقود السابقة في تبني مشروع وطني وكان المشروع بسيط في أفكاره ولكن فرّخ جيل تونسي متعلم كان افضل من أقرانه في الدول المحيطة به ، وحتى لو تحدثنا عن المشروع الاماراتي الذي نعيشه اليوم والذي يقوم على اعادة هيكلة مناهج التعليم نحو خلق بيئة تقوم على الابتكار والعمل ولكن العيب في المشروعين التونسي قديماً والاماراتي حديثاً أنهما مستوردان من الغرب ولا يناسبان الفكر العربي الذي يجب ان يقوم على اعادة هيكلة المناهج العلمية ومنهاجية البحث العلمي وعلى تحفيز الأفكار وامتلاكها ، وهذا العمل يجب ان يقوم بالروح واللغة والفكر العربي والإسلامي وليس استيراد منهاج العلم وآلياته ولغته الأجنبية!!!.

بالمقابل اذا تمعنا في المشروع الوطني الياباني والألماني الذي قاما بعد الحرب العالمية الثانية فقد استطاعا تحويل المجهود الحربي الى مدني، فالافكار مملوكة والعلماء متوفرون ولم يستوردوا مشروع اجنبي للنهوض، وإنما كان الانتاج الفكري منصب على المجهود الحربي بسبب الدكتاتورية وأطماع القوه والسيطرة والاستحواذ والتوسع والاستعمار والاستعباد، فالنجاح الباهر التي حققاه كان سببه فقط هو تحويل الأفكار من المجهود الحربي المهدور الى مجهود مدني مثمر ، اليوم اليابان وألمانيا تتربعان على عرش أقوى اقتصاديات العالم وتعتبر الصناعات اليابانية والألمانية من الصناعات الفائقة الجودة.

المجتمع العربي يعيش فترة انتقالية وفترة مخاض فكري ما بين “تحديث الأصالة” و “تأصيل الحداثة” وفي هذة الفترة الحرجة يحتاج المجتمع العربي الى معين او مرشد فكري يدله على الصواب وهذا هو دور المثقف العربي في الضغط نحو تشكيل وعي يؤدي الى الاسترشاد نحو طريق النهضة العربية والإسلامية الذي على التيارات السياسية الإيمان به بدل عن الحديث عن إعادة الخلافة الاسلامية.

ان التيارات الاسلامية والقومية والعلمانية بكل أشكالها وأفكارها عمقت المشكل الفكري في المجتمع العربي والإسلامي بل انها اعاقت التقدم الفكري المجتمعي ، فالتيارات الاسلامية هربت نحو الخلف والتيارات العلمانية قفزت خارج البيت العربي ، فلا الخلف قادر على إيجاد حلول المستقبل للمجتمع العربي ولا القفز عن البيت العربي واستنساخ فكر اجنبي قادر على نهضة الامة.

فالغرب نجح في احداث ثورة علمية بعد ان أسس فكر نابع من بيئته ، وطوّع جميع العلوم المتاحة بلغته وفكره وتطوره الثقافي ومن ثم أوجد الحاضنه للتقدم نحو المستقبل ونجح ، فلا يمكننا أخذ منهاجهم جاهز بلغتهم وفكرهم، لا بل علينا ان نؤسس لفكر عربي إسلامي ونطوع جميع العلوم بلغتنا على مراحل تطورنا الفكري، ونجهز الحاضنة التي تخولنا دخول المستقبل أو على أقل تقدير ان نستطيع التواجد في المستقبل.

وحتى نفهم ان التغيير يأتي من الجوهر الفكري ، وليس المظهر التطبيقي ، فلو افترضنا ان دولة عربية او أسلامية طبقت شرع الله في قطع يد السارق ورجم الزاني اذا كان محصناً او جلده اذا كان غير محصن وتحريم الربا والخمر وفرض الحجاب وتغيير اسم البرلمان الى مجلس شورى وتغيير اسم الرئيس الى أمير المؤمنين او حتى ” أية الله” نعم هذه حدود الله التي نؤمن بها ولكن تعتبر مظاهر إسلامية بلا مضمون او بلا داعمه اجتماعية ومجتمع واعي مؤمن بالتطبيق، ولكن اذا المجتمع لم يؤمن بها منطقياً وفكرياً ولم تكن هناك بيئة إيمانية خالصة ستواجه تلك الدولة بالرفض المجتمعي، ولكن في الجانب الأخر لو سمحت هذه الدولة بالخمور والحريات والتعري والربا وألغت الحدود في مجتمع مؤمن متقبل شرع الله ويؤمن بها حتماً ستواجه بالرفض المجتمعي ايضاً ، ولذلك علينا تهيئة الأساسات الفكرية وإعادة هيكلة المنهاج العلمي بمضمون عربي وإسلامي حتى نستطيع ان نعيش المستقبل بعقد اجتماعي متوافق عليه وجيل قادر على امتلاك الأفكار وتطويعها وليس بجيل يستورد الأشياء ولا يستطيع حتى صيانتها!.
قال “توماس أديسون” إن من يأت بفكره ويبدأ بتجربتها وتطويرها يصل إلى مكان يرى فيه أنها مستحيلة التحقيق فيشعر باليأس ولكن هذه هي بالذات المحطة التي لا يجوز فيها للمبتكر أن ييأس.

يُعدّ المفكر الجزائرى مالك بن نبى أحد رُوّاد النهضة الفكرية الإسلامية في القرن العشرين، ومازالت كلماته ناصعه تنساب الى عقولنا كلما حاولنا التفكير في النهضة العربية الشاملة، هذه بعض أفكار مالك بن نبي:

” – المجتمع الذي لا يضع افكاره الرئيسية لايمكنه ان يصنع المنتجات الضرورية لاستهلاكه، ولا المنتجات الضرورية لتصنيعه.
– ولا يمكن لمجتمع في عهد بناء نفسه ان يبنيها بأفكار مفروضة عليه من الخارج.
– تحول المجتمع العربي الى مجتمع مستهلك للأشياء ومستورد لها ومهتم في امتلاكها دون امتلاك الافكار التي وراءها.
– لم نقم بالاستفادة مما وصل اليه الغرب من علم وتقنية ومعرفة.
– لم يحصل اتصال حقيقي بيننا وبين ثقافة الغرب فهم يتحدثون الينا بلغة ما بعد الحداثة ونحن نتحدث بلغة ما قبل الحداثة”.

يقول الاستاذ والباحث على منصور كيالي :

” وَلاَ زِلْنَـا نُرَبّي أوْلاَدَنَـا عَلى أَفْكَارِنَا وَ بِصُـورَةٍ قَسْـرِيَّةٍ ، وَ بِذَلِكَ بَقِيتِ الذِهْنِيَّـةُ العَربيَّةُ ذِهْنيَّـةً تُراثِيَّـةً ، تَعْتَمِـدُ عَلى النَقْـلِ فَقَـطْ مِنَ الكُتُبِ القَـديمَةِ [ الكُتُبُ الصَـفْراء ] التي كُتِبَتْ لِعَصْـرٍ غَيْرِ عَصْرِنَـا ، وَ الـذي لاَ يَعِيشُ عَصْـرَهُ وَ يَتَفاعَـلُ مَعَـهُ ، هُوَ في خُـسْرٍ : ( وَ الـعَـصْـرِ إنَّ الإنْسَـانَ لَـفـي خُـسْـرٍ ) العصر 1 ، وَ كلمـةُ : [ العصـرُ] هنـا تعني : العصْرُ الذي يَعيشُ بِـهِ الإنْسَانُ ، وَ نِسْـبَةُ الأُمِيَّـةِ في المُجْتَمَعِ العَربيِّ مُخِيفَـةٌ ، حَيْثُ يَسُودُ العَقْلُ التُراثِيُّ الذي حَوَّلَ المَـاضي إلى قِصَصٍ وَ حِكَاياتٍ تُحْكى للنَاسِ لَيْلاً وَ نَهَاراً ، كَنَوْعِ مِنْ مَضْيَعَةِ الوَقْتِ ، فَقَدْ غَابَ العَقْلُ الحَضَاريُّ الذي يُمَاشي الحَضَارَةَ ، وَ العَرَبُ يَعيشُونَ اليوم [ وَهْمَ النَهْضَةِ ] ، إذْ لَيْسَ لَدَيْهِمْ أَيَّـةُ نَهْضَةٍ حَضَـاريّةٍ ، وَ البَحْثُ الدَائِمُ في [ جُيُوبِ المَـاضي ] هيَ وَسِيلَةُ الإنْسَانِ المُفْلِـسِ حَضَـاريّاً .
وَ نظـافةُ النَصّ المحفوظِ [ القُرآنُ الكريمُ ] ، لـمْ تنتقلُ إلى [ نظـافَةِ الفهْـم] ، وَ نظـافَةِ الأخلاقِ و البيْئةِ و السلوكِ ، فبقيَتْ هذه الأمّة في [ فقْـرهـا ] العلميّ و الحضاريّ … ، و هذا مَا يُريْدُه الشـيْطانُ”.

د. علي العامري

Advertisements