انا أؤمن بقوة الكلمة وتأثيرها السحري على المتلقي ، الكلمة قوية بأي وسيلة كانت بالكتابة كانت او بالخطابة وبعض الكلمات ايضاً صامته تقرأ من العيون وتصل الى القلوب!.

الكلمة كانت وما زالت الدين والعلم والشعر والحب أيضاً … الله سبحانة وتعالى أنزل القرأن وكانت أول كلمة فيه أقرأ.

الكلِمة مسؤوليَّة جسيمة؛ لهذا كان النَّبيُّ – عليْه الصَّلاة والسَّلام – يحدث حديثًا لو عدَّه العادُّ لأحصاه، أمَّا الكلمة المحمودة، فهي في أمر بِمعروف، أو نهي عن منكر، أو بيان لعلم، أو ذكر لله، وما عدا ذلك فهو لغْو، ولهو الحديث.

قال واثق طهبوب عن الكلمة كلام جميل:

“قد تكون الكلِمة شعرًا أو نثرًا، لا يهم؛ ولكن صدق قائلها وعظم مضامينها كفيلٌ بتغيير قناعات وقلب موازين وبناء واقع جديد.

على امتِداد التاريخ البشري، وقعت حروب لا تحصى، وبرزت عقائد وأفكار لا تعدُّ؛ ولكن القاسم المشترك بين كلِّ ذلك هو الأثر الخطير للكَلِمة على مصائر الأُمَم والشعوب والأفراد.

في بدْء الخليقة وسوس الشَّيطان لأبينا وأمِّنا بكلِمة، فكان الخروج من الجنة، وتابع إبليس نشاطه فوسوس لقابيل بكلمة، فقتل أخاه هابيل.

كانت الكلِمات من سورة طه سببًا في إسلام الفاروق عمر، وكانت كلمات مصعب بن عمير العذْبة سببًا في دخول نِصْف أهل المدينة المنوَّرة في دين الله الحقّ.

كلمة من امرأة مسلِمة حرَّة حرَّكت جيشًا، وجعلت خليفةً يَحكم أرضًا لا تغيبُ عنْها الشَّمس لا يهدأ ولا ينام: “وامعتصماه!”، تسعة حروف تجعل من عمّورية قاعًا صفصفًا!”

ومَن أصدق من الله قيلاً: “أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم: 24] {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ”.

الكلمة تأثيرها قوي وتأثيرها أزلي ، فبعض الكلمات ما زالت حيه حتى لو انها صدرت من أشخاص ماتوا منذ زمن بعيد، فهذه أشعار عنترة بن شداد في الحماسة والشجاعة ما زالت باقية ، وأشعار أمرئ القيس في الفخر ، وأشعار المتنبي والشافعي في الحكمة ، وأشعار مجنون ليلى في الحب ، كلها كلمات حيه وخالدة لأموات باتوا تراب!.

هناك كلمات حركت مشاعر الملايين من البشر وألهمتهم ، فقد نجح جمال عبدالناصر وأحبه الشعب العربي بسبب كلماته المؤثرة وكذلك مالكوم أكس ومارتن لوثر كنج وحتى هتلر نجح بخطاباته وكلماته التي حركت الألمان خلفه بغض النظر عن سياسته العنصرية الا ان كلماته كانت ناريه تحرك الهمم!.

الكلمه القوية لا تنسى وتصبح كلمات ملهمه تستخدم لشحذ الهمم ، الثورة في براغ اشتعلت بشرارة من كاتب صنعته الكلمة، ذلك هو قائد الثورة المخملية فى أوروبا الشرقية والوسطى الكاتب المسرحى والناشط الحقوقى البارز ورئيس جمهورية التشيك السابق المناضل العظيم “فاتسلاف هافيل” كان بمثابة روح الثورة التشيكية وقائد التحول الديموقراطى فى أوروبا الشرقية والوسطى ورائد ثورات المجتمع المدنى ، ولولاه ما كانت الحرية ممكنة كما قال المستشار الألمانى الأسبق هيلموت كول ، كان هافيل مصدر إلهام كبير لجميع الذين ناضلوا من آجل الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان والتحرر من الأستبداد فى العقود الماضية، وستظل روحه وتاريخه ملهم لآجيال قادمة بسبب الكلمة.

يسجن الانسان لكن لا تسجن الكلمة فالكلمة حره تتسلل بين الجدران والقضبان الحديدية وتسري بقوة لتخترق المسامع وتستقر في القلوب والعقول فهذا المناضل الحقوقي مارتن لوثر كنج فقد صدر أمر قضائي بمنع كل أنواع الاحتجاج والمسيرات الجماعية وأعمال المقاطعة والاعتصام في زمن التفرقة العنصرية في الولايات المتحدة الامريكية؛ فقرر كينج لأول مرة في حياته أن يتحدى علانية حكما صادرا من المحكمة، وسار خلفه نحو ألف من المتظاهرين الذين كانوا يصيحون “حلت الحرية ببرمنجهام”، وألقي القبض على كينج وأودعوه سجنا انفراديا، وحرر خطابا أصبح فيما بعد من المراجع الهامة لحركة الحقوق المدنية، وقد أوضح فيه فلسفته التي تقوم على النضال في إطار من عدم العنف، في تلك الفترة كان مالكوم صاحب كاريزما خطابية أكثر إثارة فحرارته واندفاعه كانتا خير ترجمان لغضب السود وحنقهم وإن كان مارتن لوثر كنج قد قرأ خطبة الحلم “خطبة القرن في أميركا” من ورقة وبكلمات هادئة متقطعة فإن مالكوم أكس لم يقرأ خطبه من ورقة قط ولم تكن كلماته أبداً متقطعة بل كانت كالرصاص لا يهادن.

ولقد أعجبني كلام جميل لطيف للشيخ علي الطنطاوي قال رحمه الله: ” إني أحاول أن ألقي اليوم خطبة، فلا تقول قد شبعنا من الخطب، إنكم قد شبعتم من الكلام الفارغ، الذي يلقيه أمثالي من مساكين الأدباء، أما الخطب فلم تسمعوها إلا قليلا، الخطب العبقريات الخالدات التي لا تنسج من حروف، ولا تؤلف من كلمات، ولكنها تنسج من خيوط النور الذي يضيء طريق الحق لكل قلب، وتحاك من أسلاك النار التي تبعث لهب الحماسة في كل نفس.

ولا تقولوا: وماذا تصنع الخطب؟ إن خطب ديموسئين صبت الحياة في عروق أمة كادت تفقد الحياة، وهي كلمات وقفت سدًا منيعًا في وجه أعظم قائد عرفته القرون الأولى، الإسكندر، ووجه أبيه من قبله: فيليب. وخطبة طارق بن زياد هي التي فتحت الأندلس. وخطبة الحجاج أخضعت يومًا العراق، وأطفأت نار الفتن التي كانت مشتعلة فيه، ثم وجهته إلى المعركة الماجدة، ففتح واحد من قواد الحجاج أكثر مما فتحت فرنسا في عصورها كلها، وبلغ الصين، وحمل الإسلام إلى هذه البلاد كلها، فاستقر فيها إلى يوم القيامة، ذلك هو قتيبة بن مسلم.

وعندما انتصر صدام حسين على جمهورية ملالي ايران قال الخميني في اتفاقية الاستسلام للشعب الايراني كلمات مؤثرة لكي يمتص غضب الشعب : ” اني أتجرع السم وانا أوقع على اتفاقية الاستسلام ” وحدها هذه الكلمات الموجعة امتصت غضب شعب دخل حرب مع العراق بسبب مطامع الخميني لمدة ثمانية سنوات من الخسائر البشرية والمادية، هذه النهاية المؤلمة تفسر كيف استطاع الخميني ان يقنع شعبه بكلمة!

وعندما طلب روبرت إدوارد لي، القائد العام للقوات الجنوبية، من يوليسيس غرانت، أن يكتب بنود الاستسلام، ارتبك قليلا، لكنه لم يستسلم وقد كتب في مذكراته ما يلي: ” حين أمسكت بالقلم والورقة لم أعرف بأية كلمة أستهل البنود، كنت أعرف فقط ماذا يجول في ذهني، وودت أن أعبر عنها بوضوح كي لا أورد أي خطأ.
أيها القائد غرانت، لست بحاجة الى معرفة أول كلمة. لديك الأفكار، ولديك المعتقدات، ولديك ما ترغب بقوله، فقله بوضوح. وكانت النتيجة أن تزاحمت الجمل من دون أي جهد واع، والأمر كذلك بالنسبة لأي انسان.
وبهذا المعنى كتب هوراس، الشاعر الروماني العظيم، منذ ألفي سنة ما يلي: ” لا تبحث عن الكلمات، ابحث فقط عن الحقيقة والفكرة، عندئذ تتدفق الكلمات من دون أن تسعى اليها “.

الكلمة الصادقة التي تخرج من القلب لها قوة إيجابية جبارة لا تضاهيها اي قوة وصدق القائل “كلمة الحق اقوى من الرجال والنساء لذلك لايقوى عليها الا من قيمته كقيمتها ، لذلك يخرس المداهنون عن قولها”.

الكلمة منبع القوه خطابة كانت ام كتابه ، فلا تستهينوا بالكلمة وخاصة اذا كانت صادقة ومؤثرة ومعبرة تنطلق من القلب وتعبر كالرصاصة الى القلب الأخر!.

د. علي العامري

Advertisements